وهبة الزحيلي

188

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وفي أول سورة الأحزاب : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وفي أول سورة التحريم : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ . والسبب في بدء هذه السورة بهذه الحروف ، وليس فيها الابتداء بالقرآن أو الكتاب هو الإشارة إلى مبدأ التكليف ، وجميع التكاليف فيها ثقل على النفس ، فبدئ بحروف التنبيه للفت النظر إلى خطورة ما يلقى بعدها . أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا : آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ أي أظن الناس بعد خلقهم أن يتركوا بغير اختبار بمجرد قولهم : آمنا باللّه ورسله ، وهم لا يمتحنون بمشاق التكاليف كالهجرة والجهاد في سبيل اللّه ، ومقاومة الشهوات ، ووظائف الطاعات والفرائض المالية والبدنية من صلاة وصيام وحج وزكاة ونحوها ، والتعرض للمصائب في الأنفس والأموال والثمرات ، ليتميز المؤمن المخلص من المنافق ، والراسخ في الدين من المضطرب فيه ، ونجازي كل واحد بحسب عمله . وهذا استفهام إنكار ، معناه أن اللّه تعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان ، كما جاء في الحديث الصحيح : « أشدّ الناس بلاء : الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة ، زيد له في البلاء » . ونظير هذه الآية قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [ آل عمران 3 / 142 ] وقوله سبحانه : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ، وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ ، وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ : مَتى نَصْرُ اللَّهِ ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة 2 / 214 ] . وقد بينت أن هذه الآية نزلت في بعض المؤمنين في مكة ، الذين كان كفار